ابن الجوزي
133
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال ابن هشام بن محمد : لما صعدت السفائن [ 1 ] سار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب ، ولحق بابن ذي يزن بشر كثير ، ونزل وهرز على سيف البحر وراء ظهره ، ولمّا نظر مسروق إلى قلَّتهم طمع فيهم ، وأرسل إلى وهرز وقال : ما جاء بك ، وليس معك إلَّا ما أرى ، ومعي من ترى ! لقد غرّرت بنفسك وبأصحابك ، فإن أحببت أذنت لك ، فرجعت ، وإن أحببت ناجزتك ، أو أجلتك حتى تنظر في أمرك . فقال : بل تضرب بيني وبينك أجلا . ففعل . فلما مضى من الأجل عشرة أيام خرج [ 2 ] ابن وهرز حتى دنا من عسكر القوم فقتلوه ، فلما انقضى الأجل غير يوم أمر بالسفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار ، وما كان معهم من فضل كسوة فأحرق ، ولم يدع إلا ما كان على أجسادهم ، ثم دعا بكل زاد كان معهم فقال : كلوا . فلما فرغوا أمر بفضله فألقي في البحر ، ثم قال : أمّا ما أحرقت من سفنكم ، فإنّي أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم ، وأمّا ما أحرقت من ثيابكم ، فإنّه كان يغيظني إن ظفرت بكم الجيش ، أن يصير [ 3 ] ذلك إليهم ، وأمّا ما ألقيت من زادكم في البحر ، فإنّي / كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يوما واحدا ، فإن كنتم تقاتلون معي وتصبرون أعلمتموني ذلك ، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري ، فإنّي لم أكن لأمكّنهم من نفسي . فقالوا : بل نقاتل معك حتى نموت [ 4 ] عن آخرنا ، أو نظفر . فلما أصبح عبّأ أصحابه ، وجعل يقول : إما ظفرتم ، وإما متم كراما . ثم رمى ملك القوم فسقط ، وهزموا ، وغنم من عسكرهم ما لا يحصى ، وغلب على صنعاء وبلاد اليمن [ 5 ] . وقال ابن إسحاق : لما انصرف وهرز إلى كسرى ، وخلف سيفا على اليمن عدا
--> [ 1 ] في ت : « السفن » . [ 2 ] في الأصل : « حتى ابن وهرز » . [ 3 ] في الأصل ، ت : « إن أظفروا بكم أن يصير » وأثبتناه من الطبري 2 / 145 . [ 4 ] في الأصل : « تموت أو تموت » . [ 5 ] تاريخ الطبري 2 / 144 - 147 .